جلال الدين السيوطي
568
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
الشهر . فاشترط عليه أوقات طلبه العلم والصلوات والأكل والشرب والراحة في حينها ، وسأله إسلافه رزق شهر ليصلح به حاله . ففعل . وأدخل في حجرة التأديب ، فأجلس فيها ، وكان قد فرش له ، وخرج إليه الصبيّ ، وهو أبو يحيى ، فلما جلس بين يديه كتبه ، فأخذ الخدم اللوح ودخلوا مستبشرين ، فلم تبق جارية إلا أهدت إليه صينية فيها دراهم ودنانير ، فردّ الجميع ، وقال : قد شورطت على شيء ، وما هذا لي بحقّ ، وما آخذ غير ما شورطت عليه . فعرّف الجواري الوزير ذلك . فأدخله إليه ، وقال له : يا أبا جعفر ، سررت أمهات الأولاد في ولدهنّ فبررنك ، فغممتهنّ بردّ ذلك . فقال له : ما أريد غير ما وافقتني عليه ، وهؤلاء أرقّاء ، والأرقّاء لا يملكون شيئا . فعظم ذلك في نفسه ، وكان ربّما أهدى إليه بعض أصدقائه الشيء من المأكول ، فيقبله اتّباعا للسّنّة ، ويكافئه لعظم مروءته أضعافا ، وربّما يجحف به ، فكان أصدقاؤه يجتنبون مهاداته . قال الفرغانيّ : وكتب إلى المراغي يذكر أنّ المكتفي قال للعباس بن الحسن : إني أريد أن أقف وقفا تجمع أقاويل العلماء على صحته ، ويسلم من الخلاف . فأحضر الطبريّ ، وأجلس في دار يسمع فيها المكتفي كلامه ، وخوطب في أمر الوقف ، فأملى عليهم كتابا لذلك على ما أراده الخليفة ، فلما فرغ وعزم على الانصراف ، أخرجت له جائزة سنيّة ، فأبى أن يقبلها ، فحرص به صافي الخرمي ، وابن الحواريّ لأنّهما كانا حاضرين ، وبينه وبين المكتفي ستر ، وعاتباه على ردّها ، فلم تكن فيه حيلة ، فقيل له : من وصل إلى الموضع الذي وصلت إليه لم يحسن أن ينصرف إلا بجائزة أو قضاء حاجة . فقال : أما قضاء حاجة فإني أسأل . فقيل له : قل ما تشاء . فقال : يتقدم أمير المؤمنين إلى أصحاب الشّرط بمنع السّؤال من دخول المقصورة يوم الجمعة إلى أن تقضى الخطبة . فتقدم بذلك وعظم في نفوسهم . قال الفرغانيّ : وأرسل إليه العباس بن الحسن : قد أحببت أن انظر في الفقه ، وسأله أن يعمل له مختصرا على مذهبه ، فعمل له كتاب الخفيف ، وأنفذه إليه ، فوجّه إليه بألف دينار ، فردّها عليه ، ولم يقبلها . فقيل له : تصدّق بها . فلم يفعل ، وقال : أنتم أولى